ثمة لحظة مثيرة للاهتمام تحدث الآن في الاقتصاد الخليجي، وهي من النوع الذي يمر به كثير من المحللين دون أن يُلاحظوا ما يكشفه فعلاً. تتصاعد مؤشرات مديري المشتريات في بعض دول المنطقة بينما تتراجع في أخرى، وترتفع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في 2025 بينما يُلقي الصراع الإقليمي بظلاله على التوقعات، وتُعلن مجموعات البنية التحتية عن استراتيجيات توسع طموحة في اللحظة ذاتها التي يتساءل فيها المستثمرون عن مدى استدامة هذا الزخم. ما يجمع هذه الخيوط المتفرقة ليس الصدفة، بل هو السؤال الهيكلي الأعمق الذي يواجه رأس المال الخليجي اليوم: إلى أي حد يمكن لاقتصادات المنطقة أن تفصل بين مساراتها التنموية الداخلية وبين المناخ الجيوسياسي الذي تعمل فيه؟

البداية من مؤشر مديري المشتريات، ذلك المقياس الشهري الذي يبدو تقنياً للوهلة الأولى لكنه في حقيقته مقياس لدرجة حرارة الثقة التجارية. المملكة العربية السعودية تُبدي صموداً لافتاً مقارنة بنظيراتها الخليجيات، وهذا ليس مجرد ملاحظة إحصائية عابرة. الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة نادرة في تاريخه وهي مرحلة تنويع حقيقي للطلب المحلي، حيث تُغذّي مشاريع رؤية 2030 الضخمة طلباً داخلياً يعمل كمخزن صدمات جزئي في مواجهة الاضطرابات الخارجية. قطاع البناء والخدمات والترفيه والسياحة تُولّد نشاطاً اقتصادياً يقل ارتباطه المباشر بأسعار النفط مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن. لكن الصمود لا يعني الحصانة، وهذا هو التمييز الذي يستحق التأمل.

في المقابل، تُعلن مجموعة غلفتينر الإماراتية عن استراتيجية بنية تحتية تجارية عالمية جديدة، وهو إعلان يستحق قراءته ضمن سياقه الهيكلي لا كخبر عمليات عادي. شركات الموانئ والخدمات اللوجستية في الخليج تنتمي إلى فئة أصول مميزة، فهي تمتلك خصائص البنية التحتية من حيث كثافة رأس المال وطول عمر الأصول، لكنها تواجه في الوقت ذاته تقلبات حجم التجارة العالمية التي تجعلها أكثر دورية مما تبدو عليه. التوسع العالمي في هذه اللحظة تحديداً يقرأ كرهان على أن الاضطراب الجيوسياسي الإقليمي سيُعيد توجيه مسارات الشحن لا أن يُجمّدها، وهو رهان له منطقه لكنه ليس خالياً من المخاطرة.