ثمة لحظات في متابعة أسواق المستهلك والقطاعات الاقتصادية الخليجية تجد فيها نفسك أمام أخبار تبدو متفرقة للوهلة الأولى، لكنها حين توضع جنباً إلى جنب تكشف عن منطق واحد يسري تحتها جميعاً. ما جرى هذا الأسبوع من إعلان طيران الرياض عن رحلته الأولى إلى مومباي، وصمود سوق المكاتب في الرياض رغم ضغوط المنطقة، ومنتدى الأعمال العُماني النيبالي، ليست أحداثاً عرضية متزامنة. إنها تعبيرات مختلفة عن استراتيجية إعادة توضّع اقتصادية واحدة تشترك فيها دول الخليج بدرجات متفاوتة.

لنبدأ من سوق المكاتب في الرياض، لأنه يحمل في طياته ما هو أعمق من مجرد أرقام عقارية. الطلب على المساحات المكتبية في العواصم الخليجية لم يكن تاريخياً طلباً عضوياً نابعاً من نمو القطاع الخاص المحلي وحده، بل كان دائماً مرتبطاً بقرارات الشركات متعددة الجنسيات في تحديد مراكز عملياتها الإقليمية. حين أطلقت المملكة العربية السعودية برنامج المقرات الإقليمية عام 2021 واشترطت على الشركات الراغبة في التعامل مع الجهات الحكومية أن تنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض بحلول 2024، كانت تُحدث تحولاً في طبيعة هذا الطلب. لم يعد الأمر مجرد حوافز ضريبية تقليدية، بل أصبح شرطاً وظيفياً مرتبطاً بالوصول إلى السوق. النتيجة التي نراها اليوم هي سوق مكاتب يتحمل ضغوطاً إقليمية جيوسياسية دون أن ينكسر، لأن الطلب عليه لم يعد طلباً اختيارياً يتراجع عند أول توتر، بل أصبح طلباً هيكلياً مرتبطاً بالتواجد التشغيلي الإلزامي. هذا التمييز بين الطلب الاختياري والطلب الهيكلي هو ما يجعل القراءة الصحيحة لهذا السوق مختلفة عن قراءة أسواق المكاتب في مدن أخرى.