ثمة سؤال يستحق أن يُطرح بصبر قبل أن تُقرأ أي بيانات تجزئة سعودية حديثة: هل ما نراه اليوم من تحولات في سلوك الإنفاق هو نتاج دورة اقتصادية عابرة، أم أننا أمام إعادة هيكلة عميقة لعلاقة المواطن السعودي بالاستهلاك ذاته؟ الإجابة تستدعي العودة إلى ما قبل عام 2016، حين كان نظام الدعم الحكومي يُشكّل في جوهره نموذج حياة كامل، لا مجرد سياسة مالية.

قبل إطلاق رؤية 2030، كانت أسعار الطاقة والمياه والوقود مدعومة بشكل شبه كامل، وكانت فاتورة الدعم تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً. هذا الدعم لم يكن يُوفّر المال فحسب، بل كان يُشكّل نمط استهلاك بأكمله: سيارات ذات محركات كبيرة لأن الوقود رخيص، ومساكن واسعة لأن الكهرباء لا تُكلّف كثيراً، وعادات غذائية لم تخضع لأي ضغط سعري حقيقي. حين بدأت إصلاحات الدعم التدريجية منذ عام 2016 وتبعتها ضريبة القيمة المضافة عام 2018 ثم رفعها إلى خمسة عشر بالمئة عام 2020، لم تكن الحكومة تُعدّل أسعاراً فحسب، بل كانت تُعيد كتابة المعادلة الضمنية بين الدولة والمواطن.

تأثير رؤية 2030 على إنفاق المستهلكين لا يمكن قراءته من ربع سنة واحد ولا من سنة بأكملها. ما يمكن قراءته بوضوح أكبر هو الاتجاه التراكمي على مدى سبع سنوات: حصة الإنفاق التقديري في سلة المستهلك السعودي تتوسع، لكنها تتوسع بطريقة مختلفة جذرياً عما كانت عليه في دورات النفط السابقة. في دورة 2011 إلى 2014 حين كان النفط فوق المئة دولار، تدفق الإنفاق التقديري نحو السلع المستوردة والسفر الخارجي والعقارات. اليوم، وبفضل الاستثمار الحكومي الممنهج في قطاع الترفيه والضيافة والرياضة، يجد جزء متزايد من هذا الإنفاق طريقه إلى الداخل.