ثمة سؤال يستحق أن يُطرح بهدوء قبل أن تُفسَّر أي بيانات مبيعات تجزئة خليجية: هل ما نشهده اليوم من تحولات في سلوك الإنفاق هو استجابة دورية لارتفاع عائدات النفط، أم أن شيئاً هيكلياً أعمق قد تغيّر في بنية الاستهلاك الخليجي بشكل لن يعود إلى ما كان عليه؟ الإجابة الأمينة هي أن الاثنين يحدثان في آنٍ واحد، وهذا بالضبط ما يجعل قراءة المشهد الراهن أصعب مما تبدو عليه.

منذ إطلاق رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية عام 2016، وما رافقها من برامج تنويع اقتصادي في الإمارات وقطر والكويت، جرى تحويل منهجي في مصادر الدخل الأسري وأنماط توزيعه. إصلاحات الدعم التي طالت الوقود والكهرباء والماء في المملكة بين عامَي 2016 و2018، وإدخال ضريبة القيمة المضافة بنسبة خمسة بالمئة في 2018 ثم رفعها إلى خمسة عشر بالمئة في 2020، لم تكن مجرد قرارات مالية حكومية. كانت عمليات إعادة ضبط لميزانية الأسرة السعودية، أجبرت المستهلك على إعادة ترتيب أولوياته بطريقة لم يضطر إليها من قبل. من يتابع بيانات الإنفاق التقديري في المملكة بين عامَي 2017 و2022 يلاحظ أن الضغط الأولي على الإنفاق الترفيهي والمطاعم كان حقيقياً، لكنه لم يدم طويلاً بالطريقة التي توقعها كثيرون.

ما حدث بعد ذلك أكثر إثارةً للاهتمام. الاستثمار الحكومي الضخم في قطاع الترفيه والضيافة والرياضة، من الحفلات الموسيقية الكبرى إلى التوسع في قطاع السينما الذي كان مغلقاً لأكثر من ثلاثة عقود، أنشأ طلباً استهلاكياً جديداً لم يكن موجوداً في الميزانية الأسرية أصلاً. بعبارة أخرى، لم يكن هذا تحويلاً للإنفاق من فئة إلى أخرى، بل كان خلقاً لفئة إنفاق جديدة كلياً. وهذا التمييز مهم جداً لمن يحاول قراءة تأثير رؤية 2030 على قطاع المستهلكين بدقة.