ثمة لحظات في تحليل أسواق المستهلك تبدو فيها البيانات المتراكمة وكأنها تُعلن عن نفسها فجأة، لكن المحلل الذي قضى وقتاً كافياً في قراءة الدورات الطويلة يعرف أن هذه اللحظات لا تأتي من فراغ. ما نشهده اليوم في قطاع التجزئة الخليجي ليس انعطافة مفاجئة، بل هو حصيلة تراكمات هيكلية بدأت قبل سنوات وكانت تنتظر الظروف المناسبة كي تُظهر أثرها الكامل. اتجاهات الإنفاق في قطاع التجزئة الإماراتي تحديداً باتت مرآة أمينة لما يجري في المنطقة الأوسع، وقراءتها بعمق تتجاوز أرقام ربع سنة واحد تُفضي إلى فهم مختلف تماماً لما هو قادم.

الإمارات دخلت مرحلة ضريبة القيمة المضافة عام 2018 وسط توقعات بتراجع الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما حدث فعلاً في الأمد القصير لكن بدرجة أقل حدة مما خشيه كثيرون. ما أظهرته السنوات التالية أن المستهلك الإماراتي أعاد ترتيب أولوياته بدلاً من أن يتقلص إنفاقه الكلي. الإنفاق على الضروريات ظل صامداً، والإنفاق التقديري تحوّل نحو قطاعات بعينها كالترفيه والمطاعم والسياحة الداخلية، في حين تراجع الإنفاق على السلع المادية القابلة للتأجيل. هذا النمط ليس غريباً على من تابع تجربة الدول الأوروبية حين طبّقت إصلاحات ضريبية مماثلة، لكنه في السياق الخليجي يحمل خصوصية مرتبطة بالتركيبة الديموغرافية التي تجعل الشريحة الشابة من السكان محركاً استهلاكياً لا يمكن تجاهله.

سهم جرير للتسويق على تداول يقدم حالة دراسية ثرية في هذا السياق. الشركة التي بنت نموذجها على التجزئة المادية المتخصصة في الكتب والإلكترونيات والقرطاسية واجهت ضغطاً مزدوجاً: التحول نحو التجارة الإلكترونية من جهة، والتغير في أنماط الإنفاق الشبابي من جهة أخرى. أرباح جرير في الأرباع الأخيرة أظهرت مرونة لافتة، لكن القراءة الأعمق تكشف أن هذه المرونة مدفوعة جزئياً بقدرة الشركة على تطوير قناتها الرقمية وليس فقط بأداء المتاجر التقليدية. هذا التمييز مهم لأن المستثمر الذي يقرأ أرقام إيرادات جرير دون أن يفصل بين مصادر النمو قد يُخطئ في تقييم استدامة هذا الأداء على المدى المتوسط.