حين تُسجّل شركة كيماويات سعودية خسارة صافية تتجاوز 128 مليون دولار في ربع واحد، فإن الرقم وحده لا يكفي للتفسير. ما يستحق التتبع هو المسار الفيزيائي الذي أفضى إلى هذا الرقم، أي السلسلة التي تبدأ من سعر المادة الخام وتمر بطاقة التشغيل وتنتهي عند هامش المنتج النهائي في السوق الفعلية. هذا المسار هو الذي يميز خسارة ظرفية عابرة عن ضغط هيكلي مستمر.

الشركة المعنية هي شركة المتقدمة للبتروكيماويات، التي أعلنت عن خسارة صافية بلغت نحو 480 مليون ريال سعودي في الربع الأول من عام 2025. الخسارة ليست مفاجئة لمن يتابع ديناميكيات الهامش في قطاع البتروكيماويات خلال السنوات الأخيرة، لكنها تُجسّد بوضوح التحدي الذي يواجه المنتجين الخليجيين الذين يعتمدون على الإيثان المدعوم مادةً خاماً أساسية ثم يبيعون منتجاتهم النهائية في أسواق عالمية تضغط عليها طاقة إنتاجية صينية هائلة.

الإيثان الرخيص كان لعقود الميزة التنافسية الجوهرية للمنتجين السعوديين. حين يحصل المصنّع على مادته الخام بأسعار مدعومة، يستطيع تحمّل تقلبات أسعار المنتجات النهائية بهامش أوسع من منافسيه الأوروبيين أو الآسيويين. لكن هذه المعادلة تتآكل حين تنهار أسعار المنتجات النهائية بما يتجاوز قدرة الدعم على الاستيعاب. الإيثيلين والبوليمرات المشتقة منه شهدت ضغطاً سعرياً متواصلاً منذ عام 2022، مدفوعاً في جوهره بموجة التوسع الصيني في الطاقة الإنتاجية التي لم تتوقف حتى في مواجهة الطلب الراكد. الصين أضافت طاقة تكسير بخاري ضخمة خلال السنوات الثلاث الماضية، وهذه الطاقة الجديدة تبحث عن أسواق تصدير في آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية، وهي الأسواق ذاتها التي يستهدفها المنتجون السعوديون.

💡 رؤية

الشركة المعنية هي شركة المتقدمة للبتروكيماويات، التي أعلنت عن خسارة صافية بلغت نحو 480 مليون ريال سعودي في الربع الأول من عام 2025.

النتيجة الفيزيائية لهذا التنافس هي انضغاط الفارق بين سعر الإيثان المدخل وسعر البوليمر المُخرج إلى مستويات لا تغطي تكاليف التشغيل الثابتة في بعض الحالات. حين يضيق هذا الفارق بما يكفي، لا تنفع ميزة المادة الخام الرخيصة في تحقيق الربحية، وهذا بالضبط ما تعكسه أرقام المتقدمة للبتروكيماويات في الربع الأول.

في الكويت، جاءت جلسة التداول الصباحية بمشهد مختلف في شكله لكن متقارب في جوهره. تسعة قطاعات ارتفعت مقابل قطاعات أخرى تراجعت، في حركة مختلطة تعكس غياب محفز اقتصادي واضح. بورصة الكويت تعاني من شُح السيولة المزمن الذي يجعل حركتها أكثر حساسية للتدفقات الصغيرة من المستثمرين الأفراد مقارنة بالأسواق الأعمق في المنطقة. القطاع الصناعي الكويتي، الذي يضم عدداً من شركات الكيماويات والبتروكيماويات المتوسطة الحجم، لم يُسجّل حركة مميزة تستحق الإشارة، وهو في حد ذاته مؤشر على أن الضغط الذي تعانيه الشركات السعودية الكبرى يُلقي بظلاله على المزاج العام للقطاع في المنطقة دون أن يُترجم بالضرورة إلى حركات سعرية حادة في الأسواق الأصغر.

في قطر، أغلق مؤشر بورصة قطر على انخفاض، في جلسة تأثرت بمزيج من ضغوط أسعار النفط وحالة الحذر السائدة في الأسواق الناشئة. الاقتصاد القطري يرتكز بشكل أكبر على الغاز الطبيعي المسال وليس على البتروكيماويات بالمعنى الضيق، لكن شركة قطر للبتروكيماويات وشركات الكيماويات المرتبطة بمجمع رأس لفان تتأثر بالديناميكيات العالمية ذاتها التي تضغط على نظيراتها السعوديات. انخفاض المؤشر القطري في هذا السياق يعكس مزاجاً احترازياً عاماً أكثر من كونه رد فعل على حدث محدد.

ما يربط هذه الأسواق الثلاثة في تحليل واحد ليس التزامن الزمني بل الضغط الهيكلي المشترك. منتجو البتروكيماويات الخليجيون يواجهون معادلة صعبة: ميزتهم التنافسية التاريخية في تكلفة المادة الخام تتآكل أمام موجة الطاقة الإنتاجية الصينية، وأسواقهم التصديرية التقليدية في آسيا وأوروبا تشهد منافسة متصاعدة، فيما تظل تكاليف التشغيل الثابتة لمجمعاتهم الصناعية الضخمة مرتفعة بطبيعتها.

الاستجابة الهيكلية لهذا الضغط تأخذ شكلين في المنطقة. الأول هو التحول نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، كالبوليمرات المتخصصة والكيماويات الدقيقة التي تتمتع بهوامش أفضل وأقل عرضة للمنافسة السعرية المباشرة. الثاني هو إعادة هيكلة التكاليف التشغيلية وتحسين معدلات استخدام الطاقة الإنتاجية. كلا المسارين يستغرق وقتاً ويتطلب استثماراً رأسمالياً في مرحلة تضغط فيها الخسائر التشغيلية على التدفقات النقدية.

خسارة 128 مليون دولار ليست رقماً معزولاً. هي نقطة بيانات في سلسلة تبدأ من مصانع الإيثيلين الصينية الجديدة وتمر بطرق الشحن عبر المحيط الهندي وتنتهي في الميزانية الفصلية لشركة في الجبيل الصناعية. من يفهم هذه السلسلة يفهم لماذا لا يكفي انخفاض أسعار النفط وحده تفسيراً، ولماذا لا يكفي ارتفاعها وحده علاجاً.