ثمة لحظات في مسيرة أي اقتصاد يجد فيها المراقب نفسه أمام صورة مركّبة لا تقبل قراءة واحدة مبسّطة. عُمان تقدّم اليوم هذا النوع من الصور بامتياز. في الوقت الذي تُعلن فيه هيئة المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الصناعية "مدين" عن خطط لتطوير أربع مدن صناعية جديدة، يعاني أصحاب المشاريع الصغيرة من ضغط تمويلي حاد في مواجهة بنوك تشدّد معايير الإقراض وتُحجم عن قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. هذا التناقض الظاهري ليس استثناءً عُمانياً بقدر ما هو انعكاس لإشكالية هيكلية تعيشها معظم اقتصادات الخليج في مرحلة التحول من الاعتماد على الريع النفطي إلى بناء قاعدة إنتاجية متنوعة.

خطط "مدين" لتطوير أربع مدن صناعية جديدة تنتمي إلى المنطق الصحيح. المدن الصناعية ليست مجرد بنية تحتية، بل هي بيئات متكاملة تُخفّض تكاليف التشغيل على المستثمرين وتخلق تجمّعات صناعية تُولّد اقتصاديات الحجم وتُسهم في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر. تجربة المناطق الاقتصادية الخاصة في جنوب شرق آسيا، من شنغهاي إلى سنغافورة، تُظهر أن هذا النموذج حين يُنفَّذ بجدية يُنتج تحولات هيكلية حقيقية في بنية الصادرات ومستوى التوظيف الصناعي. عُمان تراهن على هذا المسار وهو رهان مفهوم في ضوء ضرورة تنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن الهيدروكاربونات.

لكن المدن الصناعية الكبرى لا تعمل في فراغ. نجاحها يستلزم وجود نسيج من الشركات الصغيرة والمتوسطة القادرة على الاندماج في سلاسل التوريد الصناعية، وتقديم الخدمات المساندة، والاستجابة بمرونة لمتطلبات المستثمرين الكبار. وهنا يكمن التناقض الذي يستحق التأمل. فإذا كانت البنوك العُمانية تُحكم قبضتها على الإقراض للشركات الصغيرة في الوقت الذي تُطلق فيه الحكومة مشاريع صناعية طموحة، فإن المنظومة تعمل بنصف طاقتها. البنية التحتية الصلبة وحدها لا تكفي إذا غابت البنية التحتية المالية التي تُمكّن الشركات الصغيرة من النمو والتكيّف.