حين يتصدر قطاع الرعاية الصحية قائمة القطاعات الرابحة في بورصة متفاوتة الأداء، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بحجم المكسب اليومي بل بما يكشفه ذلك عن البنية التحتية للتخصيص الرأسمالي في المنطقة. العدسة الصحيحة لقراءة هذا المشهد ليست عدسة الزخم السعري قصير الأمد، بل هي عدسة التمايز الهيكلي بين القطاعات في مرحلة إعادة تشكيل اقتصادات الخليج. ما جرى في بورصة الكويت مؤخراً يستحق أن يُقرأ من هذه الزاوية تحديداً.

تباينت مؤشرات بورصة الكويت عند الإغلاق في جلسة شهدت قطاع الرعاية الصحية يتقدم الصفوف بين القطاعات الرابحة. هذا التمايز القطاعي ليس حادثة عشوائية في يوم تداول واحد، بل هو انعكاس لحالة هيكلية أعمق تتشكل في أسواق الخليج منذ سنوات. الكويت، شأنها شأن جيرانها الخليجيين، تمر بمرحلة إعادة توجيه رأس المال نحو القطاعات غير النفطية، وقطاع الرعاية الصحية يحتل موقعاً محورياً في هذا التحول. معدلات الإشغال في المستشفيات الخاصة الكويتية تشهد ضغطاً تصاعدياً مدفوعاً بنمو السكان وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وتوسع التغطية التأمينية، وهذه العوامل الثلاثة مجتمعة تُشكّل ركيزة الطلب الهيكلي الذي يجعل القطاع مقاوماً نسبياً للتقلبات الدورية.

غير أن المشهد الإقليمي الأوسع لا يخلو من ضوضاء جيوسياسية يصعب تجاهلها. إعلان البحرين عن اعتراض هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة إيرانية يُعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً حول علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الخليج. التصعيد العسكري المرتبط بإيران يُنتج تاريخياً موجات من التقلب تطال أسواق الأسهم والدخل الثابت الخليجية، وتتركز تداعياتها في قطاعات الطاقة والخدمات المالية. لكن قطاع الرعاية الصحية يُظهر في مثل هذه الأوقات خاصية دفاعية مميزة: الطلب على الخدمات الصحية لا يتراجع في أوقات الاضطراب الجيوسياسي، بل قد يرتفع. هذه الخاصية تجعل من الرعاية الصحية ملاذاً قطاعياً نسبياً في بيئات الغموض الأمني، وهو ما قد يُفسّر جزئياً تقدمه في جلسة تباينت فيها بقية المؤشرات.