حين يتراجع مؤشر تاسي إلى مستوى 10798 نقطة في جلسة واحدة، فإن الرقم وحده لا يروي القصة كاملة. الأجدر بالتأمل هو ما يجري تحت السطح، في تلك الشركات التي تتراكم خسائرها ربعاً بعد ربع بينما تتحرك أسهمها صعوداً بعيداً عن أي مسوّغ مالي مباشر. هذا التباعد بين الأداء المحاسبي وحركة الأسعار ليس شذوذاً عابراً في بورصة السعودية، بل هو نمط هيكلي يكشف عن طبيعة السوق وبنية المستثمرين فيها.

الظاهرة ليست جديدة في أسواق الخليج. تاريخياً، تتحرك شريحة من الأسهم استجابةً لعوامل لا تظهر في قائمة الدخل: توقعات إعادة الهيكلة، وقرارات السياسة الصناعية الحكومية، والتكهنات بعمليات الاندماج والاستحواذ، وأحياناً مجرد الزخم الاجتماعي الذي تضخه منصات التواصل في أوساط المستثمرين الأفراد. في سوق يهيمن عليه المستثمر الأفراد بنسبة مرتفعة نسبياً مقارنةً بالأسواق الناضجة، تصبح الرواية أحياناً أقوى من الميزانية العمومية. لكن هذا لا يعني أن الرواية دائماً مجردة من الأساس، فبعض هذه الشركات تحمل أصولاً حقيقية أو امتيازات قطاعية تجعل المستثمر يراهن على المستقبل لا على الحاضر.

المشكلة الأعمق تكمن في التوقيت. حين يتراجع تاسي تحت ضغط تقلبات أسعار النفط العالمية والسياسة النقدية الأمريكية التي تنعكس مباشرة على الاقتصاد السعودي المرتبط بالدولار، فإن الشركات ذات الخسائر المتراكمة تصبح أكثر هشاشة في بيئة تشديد السيولة. الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة تحول هيكلي حقيقي في إطار رؤية 2030، لكن هذا التحول لا يُلغي دورة الهيدروكربون التي لا تزال تُحدد إيقاع الإنفاق الحكومي وبالتالي مستوى الطلب المحلي الذي يتنفس منه كثير من هذه الشركات.