ثمة حقيقة يعرفها كل من درس أسواق المستهلك الخليجي بعمق كافٍ، وهي أن الأسعار التي يدفعها المتسوق في رفوف التجزئة في الرياض أو مسقط أو المنامة لا تتشكّل فقط بقرارات التسعير المحلية أو تقلبات الطلب الداخلي، بل تحمل في طياتها بصمة جغرافية عميقة تعود إلى ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو أربعة وثلاثين كيلومتراً. مضيق هرمز ليس مجرد معطى في خرائط الطاقة العالمية، بل هو متغير حي في معادلة تكاليف الإمداد التي تتغذى منها سلاسل توريد الغذاء والسلع الاستهلاكية في المنطقة بأسرها.

ما جرى مؤخراً من استهداف إيراني لسفينة شحن على مسار معتمد دولياً في المضيق ليس حدثاً منفصلاً، بل هو حلقة في سلسلة من التوترات المتقطعة التي تعود إلى عقود. التاريخ هنا صارم في درسه: كل موجة توتر في هرمز أفضت إلى ارتفاع أقساط التأمين البحري، وتراجع في استعداد شركات الشحن للمرور عبر الممر، وتصاعد في تكاليف الإمداد انتهى جزء منه دائماً إلى سلة المستهلك. تقارير حديثة تشير إلى أن ملاك السفن باتوا يُبدون تحفظاً متزايداً على المرور عبر المضيق، وهو موقف له سابقة في أزمة الناقلات عام 2019 حين قفزت أقساط التأمين على الشحن في المنطقة بنسب وصفها المتخصصون بغير المسبوقة في ذلك الحين.

المسألة هنا ليست مجرد حسابات طاقة. دول الخليج تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية، وقد ظلت سلاسل الإمداد الغذائي الخليجية تاريخياً عرضة لأي اضطراب في مسارات الشحن الدولية. حين ترتفع تكاليف الشحن، تتأثر أولاً السلع ذات الهامش الضيق كالحبوب والزيوت والسلع الغذائية الأساسية، وهي بالضبط الفئات التي تُشكّل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود في المنطقة. الشركات الكبرى قادرة على استيعاب صدمات التكلفة المؤقتة أو تمريرها ببطء، أما المستورد الصغير أو تاجر الجملة المحلي فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.