ثمة مفارقة لافتة في طبيعة أسواق الخليج المالية: أنها تستطيع في الأوقات العادية أن تُقنعك بأن الجغرافيا السياسية مجرد ضجيج خلفي لا يُعيق حركة رأس المال. ثم تأتي لحظة كالتي نعيشها اليوم، حين تُعلن الولايات المتحدة ضرباتها على إيران وترد طهران عبر وكلائها في المنطقة، فتتذكر الأسواق فجأة أن هذه المنطقة تقع على خط زلزالي حقيقي، وأن بعض اقتصاداتها أكثر هشاشة مما تبدو عليه في أوقات الهدوء.

البحرين هي الحالة الأكثر إثارة للاهتمام التحليلي في هذا السياق، وليس لأنها الأكثر تضرراً بالضرورة، بل لأنها تُجسّد بأوضح صورة ممكنة التناقض البنيوي الذي تعانيه الاقتصادات الخليجية الصغيرة ذات الاحتياطيات النفطية المحدودة. فالمملكة التي تعتمد على الدعم المالي السعودي عبر صندوق التنمية الخليجي، وتحمل نسبة دين عام تتجاوز مئة وثلاثين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة، تجد نفسها في موقف يُشبه من يقف على حافة جرف ويعتقد أن الحبل الذي يمسك به كافٍ، ثم يكتشف أن الحبل ذاته مربوط بجدار يتزعزع.

💡 رؤية

البحرين هي الحالة الأكثر إثارة للاهتمام التحليلي في هذا السياق، وليس لأنها الأكثر تضرراً بالضرورة، بل لأنها تُجسّد بأوضح صورة ممكنة التناقض البنيوي الذي تعانيه الاقتصادات الخليجية الصغيرة ذات الاحتياطيات النفطية المحدودة.

علاوات المخاطر السيادية لا تكذب في مثل هذه اللحظات. فرق العائد على السندات السيادية البحرينية مقارنة بسندات الخزانة الأمريكية كان قد بدأ يتسع قبل الضربات الأمريكية على إيران، مدفوعاً بمزيج من ضغوط أسعار النفط وتباطؤ النشاط الاقتصادي الإقليمي. وحين تُضاف إلى هذا المشهد ضربات عسكرية مباشرة وتهديدات بحرية في مضيق هرمز، يتحول ما كان يبدو قلقاً تدريجياً إلى ضغط حاد. الشحن في الخليج ليس مجرد مسألة لوجستية، إنه الشريان الذي يحمل نحو خمس وعشرين بالمئة من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه يترجم فورياً إلى علاوة مخاطر تُحمَّل على كل دولة في المنطقة، لكنها تقع بثقل غير متكافئ على الاقتصادات الأقل قدرة على الامتصاص.